Back
to list page
العدد 9 |
هل ينهض الحذاء البلاستيكي من كبوتة القسم الثاني
English,
Magazine: Al-Hidaa
1985
|
تطرقت في العدد الماضي إلى تاريخ نشوء صناعة الأحذية البلاستيكية وكيفية دخولها في العالم العربي وعن المشاكل التي واجهتها هذه الصناعة مما أقعدها عن التطور العالمي. في هذا القسم نقارن ما بين استعمالات هذه التكنولوجيا في كل من العالم الغني والعالم الفقير وبالأخص مابين وسط وشمال أوربا وعالمنا الثالث. وفي الحقيقة هناك عاملات أساسيان لعبا دورهما في هذه الصناعة. العامل الأول المستوى المعاشي للفرد والعامل الثاني الاختلاف المناخي. إن المستوى المعاشي الجيد وقوة صناعة الأحذية التقليدية لم يدع مجالا للحذاء البلاستيكي ليحل محل الأحذية الجلدية وغيرها بشكل عام إنما اقتصر نموه وتقدمه في البداية على صناعة الجزم والتي كانت تصنع عادة من المطاط الصناعي والطبيعي. وقد أبدعت هذه الفقرة الإنتاجية أي إبداع من الناحيتين الذوقية- الفنية والإنتاجية، حيث نرى الجزم تتلألأ بألوان مختلفة بل تزين بالرسوم والصور الفسفورية. وكثرت موديلاتها وتعددت استعمالاتها، حيث لم تعد تستعمل لإغراض الوقاية فحسب من الطين والمطر بشكلها الأسود، كما كانت أيام زمان. أما الفقرة الثانية بعد الجزم فكانت صنادل البلاجات. وكان إنتاج هذه الصنادل يتراوح بين صعود وهبوط وكانت تستورد في الغالب من دول أخرى ولاتصنع في معظم الدول الاوربية، وذلك لمحدودية الفترة التي يمكن استعمالها فيها، وهي فترة الصيف. أما إنتاج الجزم ي الدول الأوربية فهو من الفرات الإنتاجية الثابتة. ويوجد في كل بلد أوربي مالا يقل عن معملين بأحجام فوق المتوسط. وبالرغم من الإبداع اللامتناهي في إنتاج الجزم البلاستيكية إلا أن سوق وإنتاج هذه الفقرة لم ينج من الذبذبة وبشكل حاد وذلك لعدة أسباب:- 1- تبدلات الطقس وتغيرات الظروف الجوية كالثلوج والمطر والبرد والحر، حيث لكل من هذه الأجواء متطلباتها من الجزم أو الأحذية. 2- بدائل الأحذية والجزم المنتجة من مواد أخرى. 3- الجزم وبدائلها المستوردة والمنافسة للمنتوج المحلي من حيث النوعية والسعر. وبالرغم من سهولة إنتاج هذه الفقرة وأعني الجزم وإمكانية إغراق السوق بها وبالرغم أيضاً من الأسباب الثلاثة المذكورة أعلاه، إلا أنها حافظت على كيانها وتقدمها النوعي والفني والإبداعي بدون اللجوء إلى الحماية وطرق الاحتكار اللامشروعة بل اعتمدت على المنافسة الحرة في الداخل والخارج. وفي عالمنا العربي الثالث عموماً كادت الأحذية البلاستيكية أن تصبح بديلة لمعظم أنواع الأحذية، أي الصنادل والشحاطات والأحذية المغلقة للرجال والنساء والأولاد ولكل الاستعمالات اليومية وذلك للأسباب التالية: 1- التطور المستمر في عملية صنع القوالب والتي لها الفضل الأكبر في خلق الإبداع اللامتناهي في عمل وتقليد أي موديل وأي نوع من الأحذية سواء كان الحذاء مصنوعاً من المواد الجلدية أو غيرها أو مصمماً خصيصاً للاستفادة من تكنولوجيا البلاستيك. 2- رخص كلفة الإنتاج وغزارته. 3- انخفاض الدخل وتدني قدرة الفرد الشرائية. 4- ملائمة وتكيف إنتاج الأحذية واستجابتها لكل المتطلبات الفردية والمناخية. 5- سهولة تحرك المعامل لتلبية الطلبات بالأنواع المناسبة المطلوبة وبالوقت المناسب لحاجات المستهلكين، وذلك لا يتطلب منها سوى تبديل القوالب على الماكنة وإضافة بعض حبيبات التلوين على مادة الـPVCذات اللون الطبيعي. ماذا نستخلص مما جاء في القسم الأول من مقالنا في العدد الماضي وفي القسم الثاني أعلاه بصدد المقارنة ما بين العالم الغني والعالم الفقير؟ يتلخص الإنتاج العام والرئيسي في أن الأرضية الصالحة لنمو وتقدم تكنولوجية إنتاج الأحذية البلاستيكية توجد في العالم الثالث، أي العالم الفقير، وذلك ليس لسد حاجاته فحسب، بل لغزو أسواق العالم المتقدم أيضاً. والبرازيل خير مثال على ذلك. البرازيل بلد واسع الأطراف، كثير السكان. دخل الفرد فيه منخفض، والعمالة رخيصة، والمناخ معتدل، بما يناسب ارتداء الأحذية البلاستيكية معظم فصول السنة. وقد كان هناك أخوان توأمان برازيليان يعملان في إنتاج الأجزاء البلاستيكية للمكائن بدأ في بداية السبعينات في تنويع الإنتاج وإضافة فقرات لإنتاج أجزاء ونعول الأحذية. ثم تحولا نحو إنتاج الأحذية البلاستيكية. في عام –1981-1980 ثبت الإخوان إقدامهما في السوق البرازيلية وبدأ في التصدير إلى بلدان أمريكا اللاتينية وبلغت الصادرات ذلك العام مليون دولار. وسرعان ما أخذت أحذيتهما البلاستيكية تشاهد في الأسواق الأوربية والأمريكية، وقفز حجم صادراتهما في العام التالي 1982 إلى مليون ونصف المليون دولار. وفي العم الذي يليه 1983 بلغ إنتاجهما من الأحذية البلاستيكية مختلف أنحاء العالم وقفزت المبيعات إلى الرقم: عشرة ملايين دولار. ويمكن اليوم مشاهدة أحذية ( الجلاتين ) البرازيلية، كما تسمى، تباع في كثير من المخازن المعروفة في العواصم العالمية من الولايات المتحدة وأميركا اللاتينية، وحتى أقطار أوربا الغربية واليابان. بحيث بلغ عدد البلدان المستوردة لهذه الأحذية 53 بلداً. وقد عمل هذان الإخوان البرازيليان في تطوير صناعتهما، حيث يجري الإنتاج حالياً في سبعة مصانع. ووضعا القاعدة لإنتاج وتطوير القوالب مستفيدين في ذلك من الخبرة العالمية الفنية والتكنيكية. وقد استفادا من تصاميم مشاهير مصممي الأحذية الأوربيين للإنتاج العالمي، واتجها نحو تطوير المادة الأولية – مادة PVC- في المختبرات الخاصة بهما وذلك لتلائم كل نوع من أنواع الإنتاج أي جعلا لكل فقرة إنتاجية مواصفات معينة لمادة ال PVC مثل الصلابة والليونة ومقاومة التبدلات المناخية ومقاومة التشقق والاستهلاك وغير ذلك من المواصفات مما يتطلبه الإنتاج الجيد. وكانت المختبرات تعمل جادة في حل المعضلات وتطوير الإنتاج أما المختبر الأكبر وهو السوق البرازيلية فقد تفاعلا معه سلبا وإيجابا مستفيدين منه في عملية التطوير لفائدة المشروع بالدرجة الأولى ومنفعة البلد وأفراده. هذا الاهتمام بالجانب التكنولوجي والإنتاجي والتفاعل مع السوق واحتياجات الفرد وصل بالإنتاج اليومي للمشروع إلى ربع مليون زوج من مختلف أنواع الأحذية وأبدع وأحسن أنواعها مما جعل منه أسطورة يتحدث عنها كل من يتعامل بصناعة وتجارة الأحذية. ولم يكن دخوله للسوق الأوربية والعالمية عموماً يعود فحسب إلى حاجة السوق لهذا الإنتاج والمنافسة السعرية، وهي عادة تحدث في معظم الصناعات والمنتجات، إنما لعبت الموضة وتطوير الإنتاج لعبتها. وقد بلغ السعر الذي بيع به أكثر بخمسة أضعاف من أسعار الأحذية المثيلة، وهي كلها من مادة واحدة وسعرها العالمي شبه موحد. ولا بد أن لا يكون هذا المعمل الوحيد في البرازيل، بل هناك حتماً معامل أخرى تتنافس على سوقه بدرجات مختلفة ولكن المعمل المذكور هو الرائد في حقله. وكانت أنواع الأحذية التي بدأ غزوه بها هي صندالات مختلفة ذات أشرطة عريضة، على غرار الأحذية الرومانية ويمكنكم أن تجدوا تصاويرها في إعلان هذه الشركة البرازيلية على الصفحة الأخيرة من العدد الثالث لمجلة الحذاء. هذه الصنادل طبعاً محدودة ومختارة بشكل ذكي. وقد جاء الأخوان البرازيليان في معرض باريس بتشكيلة جديدة تماماً وهي الأحذية المغلفة الشبيهة بآخر موديلات الأحذية الجلدية وذلك لغرض تسويقها لموسم شتاء 85/86. هل ستصادف هذه الفقرة الشتوية مثل النجاح الذي صادفته الفقرة الصيفية من الصندالات؟ تصعب الإجابة على ذلك الآن. ونترك التجربة الجديدة لحكم السوق. ردود الفعل الأوربية بشكل خاص والعالمية بشكل عام : لا يسعني أن ألم بكل أبعاد هذه الفقرة الإنتاجية في جميع الأقطار العالمية وتطورها خلال العشرين سنة الماضية إنما تبرز أمامي أحداث ونماذج شهدتها في الحياة العملية وعلى ضوئها عملت دراستي هذه وأعطيت صوراً كنماذج عن بعض الدول ومسيرة الحذاء البلاستيكي فيها. وأقدر أن لا يتجاوز عمر الغزو الجديد لهذا الجيل من إنتاج الأحذية البلاستيكية إلى العالم المتقدم كأمريكا وأوربا الثلاثة سنوات. وقد كان أوج ما وصل إليه في أوربا هو صيف 1984. كثيراً من الشركات والأفراد التي تحركت نحو إنشاء معامل ولو بماكنة واحدة. وبرزت إيطاليا وفرنسا في هذا الميدان بسرعة وبشكل مكثف، فقد أخذت المعارض الدولية تعرض الأنواع المختلفة والروائع. وكان معرض باريس 84 يحتوي على ما لا يقل على عشرة أجنحة خاصة بالأحذية البلاستيكية من مختلف أنحاء العالم، منها البرازيل وفرنسا وإيطاليا والجزائر وغيرها من أقطار المعمورة. وتجد صفحات المجلات المهنية والموضة زاخرة بأنواع الموديلات. ويمكن أن يقدم بعض ما يحدث في بريطانيا صورة لما يحدث في الأقطار الأوربية الأخرى نلخصه بالنقاط التالية: 1- ( تشامبرلين اندفيبس ) تنوي إنشاء معمل أحذية ( الجلاتين ) كما تسمى الأحذية البلاستيكية في بريطانيا. 2- شركة ( فنش اند واتسون ) الصانعة للمكائن تعلن عن تأسيس أول معمل لإنتاج أحذية ( الجلاتين ) بالتعاون مع أحد العاملين العرب لديها وله خبرة من عمل والده في هذا الحقل. 3- عمالقة تسويق الأحذية المالكين لمئات محلات البيع ينون مقاطعة شراء وبيع أحذية الجلاتين وذلك لرخص ثمنها وانتشارها في الأسواق على مختلف مستوياتها وقلة مردودها بحيث لا تغطي مصاريف المحل الباهظة وبالتالي تؤثر على بيع الأحذية الاعتيادية ذات الثمن الأعلى. 4- التردد في خوض غمار هذا النوع من الإنتاج. هذه قصة الحذاء البلاستيكي لنهاية سنة 1984. ماذا سيضيف صيف العام الحالي لهذه القصة؟ هذا ما لا يقدر أن يتنبأ به أحد. هل البطالة والأزمة الاقتصادية التي تواجه أوربا وبريطانيا بشكل خاص سوف تجعل لهذا الإنتاج موقع قدم ثابتة، أم أن التطورات التكنولوجية والبدائل المستحدثة في كل حقل من حقول هذه المهنة والمنافسة الخارجية ترسم مصائر مختلفة لهذا الإنتاج. يضمحل ويضعف في بعض البلدان وينمو ويزدهر في بلدان أخرى مثل البرازيل وربما مصر والجزائر؟ الله أعلم. .. وان غدا لناظره قريب.
عبد الصاحب الشاكري.
|
|