Back
to list page
العدد 1 |
لماذا المجلة
English,
Magazine: Al-Hidaa
1984
|
جرت العادة منذ قديم الزمان أن يتوارث الناس المهن الفنية بالأخص. وغالبا ما يتعرف المرء على مهنته في مرحلة مبكرة من العمر. حدث ذلك لي أنا أيضا. فقد بدأت العمل في صناعة الأحذية وأنا في الحادية عشر من عمري. ولم أكن قد بلغت العشرين من العمر حين بدأت أتعرف على تطور هذه المهنة في العالم وآفاقها. كان ذلك عن طريق بعض المجلات التي أخذت تصلنا في نهاية أعوام الأربعينات من هذا القرن. كانت تلك المجلات تدعى (( كتلوكات )) وكان أساتذة المهنة المبدعون، أي (( الأسطة )) أو ((المعلم)) يسترشدون بالتصاميم أو ( الموديلات ) في هذه المجلات، يقتبسون بعضها، في تصميم ما ينتجوه وفق الإمكانيات المتوفرة لديهم. وكانت الإمكانيات لديهم متواضعة في ذلك الوقت، من حيث العدة والمواد والخبرات، التي تتطلبها عملية التصميم والإنتاج والتطوير. وأخذ هذا الاهتمام في التعرف على كافة جوانب المهنة يزداد في نفسي من يوم لآخر. وكان مردود ذلك حسناً على مشغلنا، وفيما بعد على معملنا، وشركتنا. وكان هذا الاهتمام في التعرف العلمي والفني على مهنة صناعة الأحذية والتطلع نحو تطويرها يلقى كل تشجيع وتقدير من لدن رؤسائي في المهنة ومرؤوسي. في عام 1955 وفقت في القيام بأول رحلة عمل وتدريب في بعض الأقطار الأوربية، حيث التحقت بدورة تدريبية في إحدى الشركات الكيمياوية العالمية. كانت تلك فرصة ثمينة في انتهال ما أستطيع أن استوعب من المعرفة والعلم، بما ينفعني في حاضري ومستقبلي، وسرعان ما ظهر مردود تلك الساعات الطويلة في التعرف على المهنة والعمل في شعب الإنتاج وقاعات المختبرات. قبل أن تنتهي الدورة التدريبية وجدت في نفسي القدرة على المساهمة في تقديم أفكار جديدة في مجال الإنتاج. لقد ساهمت في تطوير أحد المنتجات، الذي أصبح اليوم مادة لا يستغنى عنها في صناعة الأحذية، وهي الألواح المصنوعة من نفايات وألياف الجلد، التي تستخدم في النعل الداخلي لأحذية المشبكة. كانت تلك بداية حبي وتقديري لهذه المهنة، لم أكن أتصور حتى ذلك الوقت، وربما لايتصور لحد الآن بعض أبناء مهنتنا الشباب، حجم الاهتمام العلمي والفني الذي تلقاه مهنتنا العريقة. عشرات العلماء والباحثين من حملة ألقاب البروفيسور وشهادات الدكتوراه وخريجي الجامعات من مختلف الفروع والاختصاصات، يجرون أبحاثهم وتجاربهم وتحليلاتهم على الجلود وفي الدباغة والنعال المطاطية والأصماغ والأصباغ، وغيرها من المواد التقليدية المستخدمة آنذاك في صناعة الأحذية. وكانت بالطبع عدة هؤلاء الباحثين مئات المراجع والكتب والبحوث والمجلات العلمية يسترشدون بها في عملهم. كذلك كانت ثمار أبحاثهم وتجاربهم تتحول إلى كتب ومراجع تساهم في التطوير المتواصل لصناعة الأحذية وموادها الأولية ووسائل إنتاجها. لم تستغرق تلك الدورة التدريبية العلمية سوى ثلاثة شهور، لكنها أعطتني زادا ومنطلقا، وحفزتني أكثر نحو التعرف على مهنتي. وزرت وأنا في كريق العودة ما لايقل عن عشرة مصانع أحذية كبرى في عدة دول، وشاهدت معرض(( برمنس) لصناعة الأحذية في ألمانيا. وكان ذلك ( مسك الختام ) في سفرتي الأولى. لكنه كان فاتحة اهتمام لا ينضب بالاستزادة قدر المستطاع من الاطلاع على أمور مهنة صناعة الأحذية وآفاقها. قمت حال عودتي إلى بلدي بالاشتراك في المجلات العالمية المتخصصة بصناعة الأحذية. وكنت أجد صعوبة كبيرة في استيعاب تلك المواضيع التكنولوجية والعلمية العالية المنشورة فيها. ولكن مردود تلك الجهود كانت مجزيا بالنسبة لي شخصيا، وبالنسبة للعمل الذي أمارسه ولزملائي في المهنة. لعل القاريء العزيز يفكر بأن ليس هناك جديد في القصة التي أسردها. أليس هدف ومطمح العمل في أي مهنة أن يستفيد من كل فرصة تسنح للتعرف على واقع وآفاق مهنته؟ أجل هدفي الحديث عن النفس وسرد الذكريات بل الحديث عن هذه المجلة وآفاق المهنة. أولا، لماذا نصدر مجلة عربية خاصة بصناعة الجلود والأحذية؟ وهل هناك ضرورة فعلا لإصدار مجلة من هذا القبيل؟ لقد طرحت هذا السؤال قبل وقت طويل من إصدار المجلة على من يهتم بصناعة الجلو والأحذية والصناعة عموما، وكذلك على من يهتم بالثقافة وبصناعة النشر. كانت ردود الأفعال متفاوتة بشكل عجيب ما بين الدهشة والاستغراب وربما الاستهزاء، وبين الاعجاب والتقدير بل الحماس. بعضهم تساءل فيما إذا كانت صناعة الأحذية والجلود تستحق أن تصدر بالعربية مجلة خاصة بها في الوقت الذي تفتقر فيه كثير من العلوم الكبيرة إلى مجلة عربية متخصصة. واستبعد آخرون أن تثير مجلة( الحذاء ) اهتماما لدى أصحاب المهنة، مذكرين بنقص الاهتمام في الاطلاع لدى ممثلي مهن أكثر حاجة للمتابعة. وكان هناك تساؤل آخر مهم حول توفر القدرات الفنية العربية لإصدار مجلة علمية متخصصة كهذه تتطلب معرفة خاصة في حقول الصناعة والتكنولوجيا والعلوم. وتساءل بعض المختصين بشؤون اللغة العربية عن الصعوبات اللغوية التي سنواجهها، وعن الجهود التي ينبغي أن تبذل للتعبير بالعربية عن مصطلحات مهنية وتكنولوجية خاصة بصناعة الأحذية، علما بأن أبناء المهنة في كل بلد عربي يستخدمون مصطلحات مهنية تختلف عما يستخدمه إخوان لهم في البلدان العربية الأخرى. وهل يمكن أن تسد مجلة صناعية وفنية بهذا المستوى نفقات تحريرها، وتصميمها، وطبعها، وتوزيعها ...وإلى آخره؟ ولكن عندما بدأت بطرح الفكرة على الجهات المهنية بالأخص لم الق سوى التشجيع والإعجاب. كانت ردود الفعل كلها إيجابية. فهناك من قال أحجز لي صفحة إعلان ومن عرض مكتبته العلمية تحت تصرف المشروع، أما دور النشر العلمية الخاصة بمجلات صناعة الأحذية والجلود فقد أخذت تتسابق في دراسة إمكانية المساهمة في هذه المجلة، واعتبرتها فرصة رزق وآفاق جديدة لها. وأخيرا تحققت الفكرة حين أبدى خبراء عرب في النشر وفنانون في التصميم والطباعة استعدادهم للمساهمة في تنفيذ وتطوير هذا المشروع. .. والآن أستطيع أن أقول بفخر: هاهي مجلة (( الحذاء)) بين يديكم بمستوى يضاهي فنيا وعلميا مستويات أرقى المجلات العالمية المتخصصة. وإني أشكر الله عز وجل تنفيذها، ليس لمكسب شخصي، بل تأدية لأمانة في أعناقنا نحو مهنة عريقة رعتنا و مدتنا بوسائل العيش المادي والمعنوي الكريم. الناشر/ ع.ص.شاكري |
|