Back
to list page
العدد 23 |
ماكنة الخياطة خير آلة أنتجت للناس
English,
Magazine: Al-Hidaa
1987
|
كانت البداية عام 1815، هذا ما حدثنا به التاريخ عن المحاولات الأولى لولادة ماكنة الخياطة، بعد أن استعرضنا في العدد الماضي من مجلة الرداء، إن عمر كل من ماكنة فاف وادلر وربما شركات عالمية أخرى، يعود إلى مائة وخمس وعشرين عاما أو اكثر. ونحن هنا، بصدد استعراض تطورات وأهمية هذه الآلة بالنسبة للإنسان والحضارة الإنسانية جمعاء، نبدؤها بنبذة عن الأحداث والقصص والمشاهدات، التي لعبت فيها الآلة دور المنقذ من الظلمة. أعادتني هذه المقالة إلى عام 1940، العام الذي توفي فيه والدي ، على اثر مرض عضال ألم به، وطرحه فراشا لفترة قبل الوفاة. كلنا خمسة أطفال، لا يتجاوز عمر الكبير فينا، وكانت فتاة، العشرين عاما. وقد أحست بالمسؤولية تجاه والدتها واخوتها، وسرعان ما اهتدت إلى شراء ماكنة خياطة سنجر بالتقسيط، وباشرت بالتعلم على يد معلمة تأتيها يوميا، وخلال مدة قصيرة تمكنت من التدرب على الماكنة وأسس تفصيل الملابس النسائية، وهكذا تيسر لها العمل من الأصدقاء والمعارف، وبدأت الموارد المتواضعة تغطي مصاريف العيش، حتى ساعدها ذلك على دفع مصاريف المنزل، إلى أن التحق أخي الكبير بالعمل وتبعه الثاني. وقد أبدعت المرحومة أختي بالتفصيل والخياطة، مما شجع أصدقاء العائلة إلى إرسال بناتهم للتدريب وتعلم فنون الخياطة، ولم تدم هذه الحالة طويلا، فبعد خمس سنوات تركت الخياطة، واقتصر عملها على ما تحتاجه أفراد العائلة، وهكذا أنقذت ماكنة الخياطة عائلتنا من العوز والحاجة إلى الآخرين في اشد أوقات المحنة. وقد أثرت هذه الوضعية على نفسيتي، وازداد تقديري واحترامي لهذه الآلة، مما دفعني لبدء حياتي العملية على ماكنة الخياطة الجلدية. حينها لم اكن قد تعديت الثالثة عشر من عمري، تمكنت خلال فترة وجيزة من إنتاج العمليات الصعبة، حتى وقع على كاهلي العمل في مشغلنا. وفي ذلك الوقت، كان إنتاج المشغل لا يقل عن الخمسين زوجا في اليوم من الأحذية الرجالية، ذات خياطة ونقشات مختلفة، إضافة إلى أن الماكنات كانت لا تزال تحرك بقوة الرجل، ولم احصل على المحرك الكهربائي إلا بعد جهد جهيد. واستمريت على هذا المنوال اكثر من أربع سنوات، إلى حين تسلم غيري من العمال المنتسبين إلى مشغلنا ما كنت أقوم به، وتفرغت إلى أمور أخرى. وبذلك كانت ماكنة الخياطة معلمي ومورد رزقي وفخري، وهي لا تزال آلة الي، وما يزيدني حبا بها، هي الأبعاد التي وصلت إليها والأصالة التي حافظت عليها. عودة إلى الوراء خلال تجوالي في المدن والقرى والأرياف، كان يسترعي انتباهي ماكنة الخياطة على باب دكان يعمل عليها الكبير والصغير، وماكنات أخرى في البيوت لربات المنزل والفتيات، ومازالت هذه، إلى يومنا هذا، مشاهد مألوفة في معظم بلدان العالم الثالث وأقطار آسيا وإفريقيا وقد نجدها في بعض أنحاء أمريكا اللاتينية. نعم إنها خير آلة، كانت ولا تزال مصدر رزق للفقراء ومدعى زهو ذوي الموارد والأغنياء. وسبب كساء البشرية ومعين حضارتها وتطور مدنيتها، فماهي مسيرة هذه الآلة، والى أين وصلت والى أين تسير؟ بعدما تكونت في ذهني معالم الحركة الآلية لماكنة الخياطة الأولى على يد مخترعيها حينما بدأت نغزات الدرز تتلو الواحدة الأخرى. عندها انقطع الخيط، ودارت الماكنة بدون درزات. وقد تكررت واستمرت هذه المعضلة وأقلقت مضجع المخترع ورمته بالحيرة لمدة ليست بالقصيرة، فكان كلما حاول أن يحل معضلة متصورا أنها السبب في انقطاع الخيط، جابهته أخرى، واستمر على هذا المنوال، إلى أن أشار عليه أحد الأصدقاء، باستحداث مجرى جانبي على هذا المنوال ، إلى أن أشار عليه أيحد الأصدقاء، باستحداث مجرى جانبي على طول الإبرة، يجري فيه الخيط بسهولة لتلافي الاحتكاك، وبالفعل حلت المشكلة بالنسبة للمخترع الأول وللذين عملوا على تطوير الماكنة بعد ذلك. إلا أن انقطاع الخيط، لازم مسيرة هذه الماكنة إلى يومنا هذا، فكم من معامل توقفت، وطاقات تعطلت وأعمال تدهورت بسبب انقطاع الخيط، وهي عملية يحتاج للتغلب عليها إلى التأكد من نوع الخيط، وقياس الإبرة ونوعها، وضبط موقعها بشكل دقيق إضافة إلى درجة شد لوحة المكوك بشكل متوازن. فإذا كانت هذه مشكلة المكائن الكلاسيكية، فكيف بها اليوم؟ أقول إنها ازدادت تعقيدا بالنسبة للعاملين على المكائن الحديثة لا سيما الصناعية منها، باستثناء أصحاب الخبرة الذين تدربوا في المعاهد وقاعات المصانع المخصصة لذلك. وفيما يلي نستعرض مسيرة تطور هذه الماكنة. كانت بداية هذه الآلة، بداية متواضعة، حيث كان تحرك باليد، وبعدها بواسطة القدمين، وبعد عمل متواصل وانتشارها في أرجاء المعمورة، اخذ المحرك الكهربائي يحل تدريجيا، مبتدأ بالمكائن الصناعية ومن ثم المكائن المنزلية. وقد تطورت مكائن الخياطة المنزلية تطورا مدهشا خلال العقدين الماضين، وأخذت غرزاتها تتنوع تماشيا مع أنواع الخياطة والنقشات المطلوبة لمختلف أنواع خيوط الأقمشة. أما المكائن الصناعية، فقد استغنت عن الإنسان، حيث لم تعد تحتاج إلى من يشغلها أو يحركها، بل تحتاج فقط إلى رعاية. وسيطرة الكومبيوتر على مختلف مراحل الإنتاج، وتنوعت المكائن وتطورت عملياتها، وتشعبت الخيوط لتلبي حاجات خياطة المواد والنقشات المختلفة، كما تطورت المعامل وتوسع إنتاجها حتى بلغ الملايين، وربما هناك دول صغيرة، تجاوز إنتاجها البليون قطعة من الملابس والأحذية وغيرها. السؤال الذي يطرح نفسه انه كيف يتمكن الإنسان العادي أو العامل المبتدأ الذي يطمح إلى تطوير نفسه لاستيعاب معطيات هذه المكائن ومتابعة تطورها. أن ذلك يذكرني بالأمس القريب، في نهاية الخمسينات، حيث كنت اعمل في معمل أحذية تاك في اوفنن باخ التابع لشركة فرويدم برك وكان معملا متوسطا يعمل فيه حوالي 150 عاملا. وكان هناك قاعة مخصصة لتدريب وإعداد العمال لتشغيل مكائن الخياطة، حيث بلغ عدد الملتحقين في هذه الدورات أثناءها حوالي 25 عاملا غالبيتهم من الإناث. كانت تستغرق الدورة للمرحلة الأولى ستة اشهر، وللمرحلتين سنتين، وكان العامل مخير بين دبلوم الستة شهور أو السنتين. وهكذا لم يكن العامل يلتحق بالمعمل ما لم يكن حائزا على شهادة المهنة التي تؤهله للعمل. ولم يكن هذا المعمل الوحيد الذي يقوم في عملية التدريب، بل كان هناك شعب في كل معمل بهذا الحجم أو اكبر في قطاعي الصناعات الجلدية والملابس في ألمانيا بالإضافة إلى المعاهد والكليات والمدارس المهنية. والسؤال الثاني الذي يطرح نفسه، هو ما عدد المعاهد أو المدارس أو مراكز التدريب على مكائن الخياطة وعملياتها وعلومها الأخرى في الدول النامية بشكل عام والدول العربية بشكل خاص. فادا أرادت كل دولة أن تحدد موقعها في سلم النمو فما عليها سوى النظر إلى أنواع المكائن المستقبلية ودرجة الاستفادة منها، والى العاملين على مكائن الخياطة والأساتذة الذين يديرونها والمعاهد التي تخرجوا منها، والأجهزة الحكومية التي ترعى هذا القطاع الشعبي الصناعي الإنتاجي الواسع، وما هي الخبرات العلمية التي تتمتع بها وما هي درجة إخلاصها في أداء مهمتها. وإذا أوكل هذا الموضوع إلى القطاع الخاص، فما هي المنح والجوائز التشجيعية التي تمنحها أجهزة الحكومة لهذا القطاع ونقصد به قطاع التدريس والتدريب على ماكنات الخياطة وصيانتها وتطوير عملياتها وإنتاجياتها وإنتاجاتها، فتبعا لدرجة الاهتمام يكون المردود. و أخيرا نتوجه بأحر التحيات إلى الذين عملوا وما زالوا يعملون على إنتاج هذه الماكنة الخيرة وتطويرها، فانهم افضل من انتج أي آلة أخرى، حيث عمت فائدتها وخيرها على الجميع في أنحاء العالم، والاهتمام بماكنة الخياطة يعني الاهتمام مباشرة بالإنسان ومورد رزقه، وألف تهنئة وشكر لفاف وادلر وسنجر وغيرها من منتجي هذه الآلة والسلام على جميع العاملين الذين يحنون ظهورهم عليها.
|
|