Back
to list page
العدد 8 |
هل ينهض الحذاء البلاستيكي من كبوتة
English,
Magazine: Al-Hidaa
1985
|
نعني بالحذاء البلاستيكي الحذاء المصنوع بصورة كاملة من مادة اللدائن الـ PVC بواسطة الحقن كانت البداية في معرض هانوفر 1985 حيث اطلعت على أول ماكنة عرضت لتصنيع الأحذية بواسطة الضح من مادة ( بي في سي ) وكان انتاجها أحذية سوداء خالية من كل فن وإبداع ومتطلبات تكنولوجيا الحذاء . كيس أسود يشبه الحذاء أو على أحسن تقدير مثل ( الكالوش ) المطاط الذي يلبس فوق الحذاء في الأجواء الممطرة والطرق غير المبلطة. وبالرغم من الطفرة التكنولوجية التي أظهرتها هذه الماكنة وتجمع زوار المعرض حولها ودهشتهم للسرعة والكيفية التي أنتج بها الحذاء إلا أنها لم تترك في نفسي ذلك الوقع حيث رأيت فيها صورة مشوهة لفنون صناعة الأحذية. وفي بداية الستينات بدأ استيراد أول مكائن الحقن وصب الأحذية البلاستيكية. وحدث في بعض البلدان العربية أن مستورديها كانوا تجاراً بعيدين كل البعد عن الصناعة بشكل عام وعن الأحذية بشكل خاص. كانت هذه المكائن أكثر تطورا مع قوالبها. وكانت قوالب الموديلات مخصصة للصنادل والشخاطات النسائية. وقد تم في الغالب استيراد ثلاثة أو أربعة موديلات أي حوالي 12-16 زوجاً من القوالب.
وقد طرح الإنتاج بالألوان الزاهية ولاقى إقبالا شديدا. وأخذت المعامل في بعض البلدان العربية تعمل لمدة 24 ساعة وسرعان ماتنبه أشخاص آخرون وبادر بعضهم إلى الاستقصاء عن مصدر الماكنة. وقدمت الرخص لإنشاء معامل أخرى تم تأسيسها بسرعة تماثل نسبياً السرعة التي يصنع فيها الحذاء ! وتأثرت صناعة الأحذية التقليدية من هذا الهجوم المفاجيء وأخذت تعاني منه. وعانت منه أيضاً صناعة الجلود أي المدابغ. وقام بعض العاملين في مهنة صناعة الأحذية بمحاولة الحصول على عروض للمكائن، وتقديمها إلى الجهات الرسمية للحصول على إجازات تأسيس المعامل. ولكن مؤسسات الدباغة بادرت إلى الضغط على الجهات الرسمية لإيقاف إعطاء إجازات جديدة . ومؤسسات الدباغة ذات نفوذ لأنها تمثل قطاعاً بارزاً في الصناعة والثروة الحيوانية. ومن ناحية أخرى أخذت الضغوط تزداد على الجهات الرسمية من قبل صناع الأحذية، الكبار منهم والصغار، حيث كانوا يرون بأنهم أحق من غيرهم بالحصول على إجازة إنشاء معامل الأحذية البلاستيكية على أساس أن إنتاجها يعد جزءاً من حلقات تطوير الإنتاج والإنتاجية. خاصة بعد ماظهرت بوادر امتزاج هذه التكنولوجيا مع تكنولوجيا تصنيع الأحذية التقليدية. وكانت الضغوط الأكبر من لدن الراكضين وراء الربح.وقد شكلت اللجان تلو اللجان واحتدمت المناقشات، وقدمت الدراسات والمذكرات والشكاوي. وكالعادة كانت تصدر بين فترة وأخرى إجازة معمل أو إضافة ماكنة أو غير ذلك. كيف؟ ولمن؟ لم يكن يعلم ذلك إلا المتضلعين في معرفة الأمور! فالمعروف أن الضغوط عندما تشتد على الجهات الرسمية تتنافس من كل باب مشروع أو غير مشروع، وللأسف غالبا ما يحرم أهل المهنة. وأخذت هذه الصناعة تمثل قطاعا مستقلا متصارعا على اقتسام الغنيمة والحصول على أكبر ربحية، وذلك على حساب النوعية، وبصورة بعيدة كل البعد عن التطور الإبداعي والإنتاج المستمر في هذه التكنولوجيا. وقد جرت محاولات محلية لتصنيع الماكنة وقوالب صبها. وطلب البعض قطع الغيار ليشكلوا منها مكائن جديدة. ولكن هذه المحاولات غير المدروسة أدت إلى إنتاج نوعيات اردأ من النوعيات التي تنتج في المكائن الأصلية. وأخذت المنافسة العشوائية تبهذل هذا الإنتاج وتزلق به نحو الهاوية الفنية منه والاقتصادية. وأخذت النوعية تتدهور والأسعار معها، بحيث بيع الـ 15 زوجاً بسعر الـ 12 زوجاً وصارت هذه الأحذية في بعض الأحيان تباع بالكيلو! ولعبت مادة ( بي في سي ) وهي المادة الأولية الوحيدة لإنتاج الأحذية البلاستيكية دورا غير محمود في تدهور هذه الصناعة. وكانت طريقة تأسيس المعمل الأولى لإنتاج مادة ( بي في سي ) أعنف دراماتيكيا من تأسيس معامل صنع الأحذية البلاستيكية. فقد كان التحكم بنوعيات المواد ومحدوديتها وبالأسعار والتجهيز يشكل عقبة مهمة في كريق التطور والتحسين، مما أدى بكثير من معامل صنع الأحذية البلاستيكية إلى جمع الأحذية البلاستيكية القديمة لغرض طحنها وإعادة استعمالها في الإنتاج بكميات كبيرة تصل إل 80 % . وقد شجعت بساطة إنتاج مادة ( بي في سي ) وسهولته أشخاصاً بعيدين عن عالم الصناعة عموماً إلى دخول هذا الميدان. ولم يكن هؤلاء الأشخاص يكلفون أنفسهم عناء استحداث مختبر واستيراد معدات للفحص وإجراء التجارب الإنتاجية وتطوير المادة، مما تقتضيه الصناعات الكيمياوية، بل يكتفون باستيراد الماديتين الأساسيتين التي تتكون منهما ( بي في سي ) وماكنة بسيطة لمزج المادتين ومعدات أبسط للوزن والنقل. ومع ذلك فقد تمتعت مصانع إنتاج مادة ( بي في سي ) بالحماية الممنوحة لمشاريع إنتاج المواد الأولية، مما كان له أسوأ الآثار على صناعة إنتاج الأحذية البلاسيتيكة، وعلى صناعة الأحذية عموماً. وهذا ما سنشير إليه لاحقاً في هذا المقال. ومن أجل أن تتضح الصورة أكثر في الذهن نورد هنا بعض الأرقام التقديرية عن إنتاج الأحذية البلاستيكية. لو افترضنا أن عدد مكائن إنتاج الأحذية البلاستيكية في أي بلد عربي منتج للأحذية عشرة مكائن فقط. ولو افترضنا أن معدل إنتاج الماكنة الواحدة 150 زوجاً في الساعة. سيكون معدل إنتاج العشر مكائن لورديتي عمل – أي في 14 ساعة عمل- حوالي 21.000 زوجا يومياً. أي حوالي 6.300.000 زوجاً في 300 يوم عمل لسنة واحدة. وإذا افترضنا أن سعر الزوج الواحد من الأحذية البلاستيكية دولاراً واحداً فقط فسيتضح لنا الحجم الضخم لقيمة هذه الفقرة الصناعية وأهميتها الإنتاجية والاستهلاكية. هذه صورة مختصرة لما حدث في فرع واحد من فروع صناعة الأحذية. وهذه الحالة أو الصورة ليست مقتصرة على صناعة وتجارة الأحذية وموادها فقط، بل تقدم نموذجاً لما يحدث في كثير من الصناعات في العالم الثالث والعربي منه. وقد تابعت هذه الأوضاع الصناعية في كثير من البلدان العربية وغير العربية فوجدت تشابهاً في هذه الحالات رغم اختلاف بعض التفاصيل والأدوار. أسئلة .. وأسئلة ـ ما هي الاستنتاجات التي نستخلصها من عرض هذه التجربة التأريخية الصناعية التي امتدت لأكثر من عشرين سنة .؟ وما هي الدروس التي يمكن أن نستخلصها منها بما ينفع الصناعة العربية عموماً، ويساعدها على تلمس خطاها والاهتداء إلى طرق أفضل للارتفاع بمستواها؟ لقد كانت صناعة الدباغة والمدابغ الكبيرة بالأخص هي المتحكمة في صناعة الأحذية، ولها وحدها حق التمتع بالحماية. ولسنا هنا بصدد استعراض ما أدى إليه ذلك من إضرار بصناعة الأحذية وسلبها القدرة على مواجهة التطورات التكنولوجية العالمية في صناعة الأحذية، وذلك بسيطرتها على الجلود، المادة الأولية لإنتاج الأحذية هذا موضوع له حديث آخر إنشاء الله. السؤال الثاني المطروح في البحث عن دروس تجربة إنتاج الأحذية البلاستيكية، هوالتالي: ماهي نتائج إعطاء الحماية الكاملة لمنتجي مادة ( بي في سي ) وحرمان قطاع صناعة الأحذية البلاستيكية من فرصة تطوير إنتاجهم ليتماشى مع التطور العالمي في تكنولوجيا وكيمياء هذه الفقرة الإنتاجية؟ ثالثا: ما هي نتائج إعطاء إجازات استيراد المكائن إلى مستثمرين من خارج صناعة الأحذية وحرمان صناع الأحذية من ميزات التكنولوجيا الجديدة. وهي مميزات لو كانوا قد حصلوا عليها لأضفت على معاملهم التقدم من كل جانب من جوانب مهنتهم. الحماية لمن؟ ـ الحماية سلاح ذو حدين. والصورة التي قدمتها لصناعة الأحذية البلاستيكية تبرز دور الحماية التي أعطيت لقطاعي المواد الأولية التي تتكون منها صناعة الأحذية التقليدية والبلاستيكية وهي حماية صناعة الجلود، أي المدابغ، وحماية إنتاج مادة ( بي في سي ) . لقد أدت هذه الحماية إلى فرض نوع محدد من المواد الأولية على منتجي الأحذية مما عرقل تقدم صناعة الأحذية، وكان السبب الرئيسي لبعض أنواع الأحذية لتغطية حاجة المستهلك، وهذا زاد الطين بلة على صناعة الأحذية. السؤال المهم هنا، هو التالي: هل يفضل أن تمنح الحماية للمشاريع المنتجة للمواد الأولية على حساب مشاريع تحويل هذه المواد إلى بضاعة جاهزة؟ هل يفضل أن تمنح الحماية لمنتجي الجلود ومادة ( بي في سي ) على حساب صانعي الأحذية؟ أو كمثال من ميدان آخر: هل من المستحسن أن تمنح الحماية لمشاريع الغزل على حساب النسيج والنسيج على حساب مشاريع الخياطة وإنتاج الألبسة الجاهزة وغيرها من الحاجات الاستهلاكية؟ المفروض برأينا أن تمنح الحماية الأكبر والدعم الأهم للمشاريع المنتجة بشكل مباشر للملبوسات والمواد الاستهلاكية، وذلك لعدة أسباب، منها، أن هذه المشاريع تمثل قطاعاً أكبر وتمتص أيدي عاملة أكثر، كما أن الاستثمارات فيها لا تقل ضخامة عن أي قطاع آخر بالرغم من تجزئها وانتشار هذه الاستثمارات في طول البلاد وعرضها. وأن مردود هذه الصناعات يتوزع على نطاق أوسع بين أفراد الشعب المستهلكين والعاملين والمتعاملين في المنتجات الاستهلاكية. والدليل على ذلك عندما استلم الاشتراكيون الحكم برئاسة ميتران في فرنسا، توجهت قوانينهم وتعليماتهم قبل كل شيء نحو حماية صناعة الأحذية الفرنسية. وهناك أنواع الحمايات في الدول الأوربية الأخرى لصناعة الأحذية فقط وليس لموادها، ومن مميزات حماية المنتجات الاستهلاكية بشكل عام والاحذية بشكل خاص هي إعطاء القدرة لهذه الصناعات وحرفييها لتقديم أفضل المنتجات والخدمات المتنوعة والمتغيرة على أسس تنافسية لكافة أفراد الشعب وبذلك تتم المعادلة ما بين العرض والطلب ويرتفع المستوى لكل من المنتج والمستهلك. ويجدر بنا أن لاننسى أن الحرفيين والمنتجين الصغار يشكلون القسم الأعظم من منتجي الأحذية والسلع الجلدية في العالم العربي، وهم أحق من غيرهم بالحماية والرعاية. أنواع الحماية ـ درجت العادة في العالم الثالث وعالمنا العربي جزء منه أن تمنح الحماية لكل مشروع كبير أو قطاع إنتاجي تتوفر فيه بعض المستلزمات الإنتاجية ويتوقع منه أن يغطي حاجة البلد بغض النظر عن نوعية إنتاج هذا المعمل وموقعه في الهرم الصناعي وتأثر الصناعات المتحولة والمعتمدة على منتجات هذا المعمل. أنواع الحماية التالية: ـ 1- منع استيراد المواد الشبيهة بمنتوجات المعمل الممنوح له الحماية. 2- الحد من استيراد المواد الشبيهة بمنتوجات المعمل الممنوح له الحماية. 3- زيادة رسوم التعرفة الكمركية على المنتوجات المماثلة لمنتوج المعمل الممنوح له الحماية. 4- منح القروض. 5- الإعفاءات الضريبية والكمركية. 6- غيرها من التسهيلات والإعفاءات والمنح. بالرغم من أن النقاط الست أعلاه مفيدة ومشجعة على قيام وتوسع المشاريع إلا أن أثرها اقتصر على خلق قطاع صناعي غني خاصة في المستويات العليا من الصناعة، وهي صناعات المواد الخام المحولة للصناعات الأخرى. وقد أثرت الفقرة الأولى بشكل سلبي على قطاع الصناعات الاستهلاكية والأحذية منه، وحدث من نشاطه وتقدمه ولم يعد بمقدوره تلبية حاجات السوق المحلية من الناحيتين النوعية أو الكمية. ولكن لابد لنا من أن نسجل هنا أن الحماية ضرورية وأن ماورد أعلاه من أجراءات في الفقرات الأخرى كان ضرورياً لقيام وتطور صناعة إنتاج المواد الأولية وتمكينها من تلبية حاجات الصناعات الاستهلاكية. لكل ما تقدم لابد من أن تؤخذ بنظر الاعتبار مصلحة صناعات المنتجات الاستهلاكية والمرتبطة مصلحتها بمصلحة المستهلك مباشرة والذي يمثل كافة أفراد الشعب، وأن لا تعطي الحماية الكلية من المنافسة الخارجية للمشاريع المنتجة والمجهزة للمواد الأولية الخاصة بالقطاعات الأخرى. يجب أن لا تحرم القاعدة الهرمية المنوه عنها أعلاه من التطلع والاستفادة بما يجري في حقول تكنولوجيا تصنيع المواد والعدد وغيرها من الأمور الفنية والإنتاجية. ونؤكد أن إتاحة الفرصة أمام منتجي السلع الاستهلاكية الضرورية كالملابس والأحذية للتعرف على التطورات الفنية في الخارج والاستفادة من هذه التطورات ومواكبتها سوف ينمي قدراتهم ويزيد من احتياجاتهم للمواد الأولية. وسوف تكون بالتالي حصة تجارة المشاريع المنتجة للمواد الأولية أكبر مما عليه في حالة الحماية الكاملة. وهذا سوف يمنح صناعة إنتاج السلع الاستهلاكية الضرورية القدرة على تلبية جميع الحاجات المحلية بل ربما يفتح أمامها الفرص لتصدير منتجاتها، بما يمكن أن يعوض عما استورده القطاع من مواد وعدد بالنسبة للتعامل النقدي الدولي. في عدد قادم ستقدم لكم مجلتكم ملفاً متكاملاً عن أحدث مواد وطرق إنتاج الأحذية البلاستيكية، ومكائنها، وكذلك آخر إنتاج لها من الموضة العالمية. وأمل أن أساهم بدوري في الكتابة عن تطور هذه الصناعة في أوربا والبرازيل بالأخص. ونرجو الله أن يوفقنا لخدمة أمتنا وصناعاتها. الناشر ع . ص . الشاكري
|
|