Back
to list page
العدد 6 |
المكننة
English,
Magazine: Al-Hidaa
1984
|
منذ قديم الزمان كانت صناعة الأحذية تعتمد على مهارة العامل وبعض العدد البسيطة مثل السكين والمزرف والمطرقة والقالب الطي يتقلوب عليه الحذاء. في أواخر القرن الماضي بدأت بعض المحاولات في مكننة بعض عمليات صنع الحذاء مثل الخياطة والقص وبعد الحرب العالمية الأولى بدأت الطفرات في مكننة عمليات صنع الحذاء وقد اقتصرت هذه الطفرات على الدول الصناعية المتقدمة خاصة في أوربا وكانت القيادة لإنكلترا وألمانيا وشيكوسلوفاكيا. كانت المكننة تعتمد الطرق الكلاسيكية في الإنتاج، أي كانت تحول العمليات اليدوية إلى عمليات ميكانيكية، مثل عمليات القص والقشط والخياطة والتركيب وطرش الحواف للنعل والكعب والتلميع وغيرها من هذه العمليات. هذه العمليات كانت تخص الأحذية الجلدية، أما الأحذية الكتانية والمطاطية فقد بدأت تنمو في نفس الفترة وقد اعتمدت المكننة في إنتاجها منذ ظهورها، مسايرة التطور الكيماوي لفكنة المطاط والسيطرة عليه والحصول على مختلف الخواص المطلوبة لكل منتوج. كان هذا النوع من إنتاج الأحذية هو القاعدة للانطلاقة التي انطلقت صناعة الأحذية منها. واليوم نشاهد مئات الأنواع من أجزاء الأحذية تعتمد على المواد غير الجلدية وهي المواد المستخرج معظمها من النفط أي البتروكيماويات. إن الانطلاقة التي اعتمدت المواد الكيمياوية في تصنيع الأحذية قد اعتمدت المكننة وتطورها جنباً إلى جنب مع العلوم الكيمياوية. وما كانت هذه الطفرات أل إنتاجية لتتحقق في حقول تصنيع المواد الأولية وأجزاء الحذاء ومن ثم الحذاء لولا تطور صناعة المكائن والتي استوعبت كل ما يستخدم في حقول الميكانيك والالكترون فيما بعد. لقد سايرت صناعة مكائن الاحذية وموادها ولاتزال تساير كافة فروع التصنيع في عصرنا الحاضر. ويمشي جنباً إلى جنب معها دخول الإنسان الآلي ميدان تصنيع الأحذية وأجزائها. باختصار، إن الطفرات التي حصلت في صناعة الأحذية لم تشمل العمليات الانتاجية بل شملت كل جوانب المهنة. أي بعد ما كان صانع الأحذية يقوم بصنع الحذاء يقوم بصنع الحذاء من الألف إلى الياء اليوم أصبح التخصص هو العلامة المميزة في هذه الصناعة. هناك مشاريع جبارة كيمياوية تنتج المواد الأولية الأساسية، ثم تأتي مشاريع تصنيع مواد الأحذية، مثل الجلود الاصطناعية والالواح والنعول والكعوب والأجزاء الأخرى، التي يتكون منها صنع الحذاء.وقد وصل التخصص درجة عالية بحيث أصبح كل جزء من أجزاء الأحذية مشروعاً قائماً بحد ذاته. وأصبحت صناعة الأحذية عبارة عن عملية تجميع وليست عملية تصنيع متكاملة ( راجع آفاق المهنة العدد 4 ). (ولكل ما تقدم أين موقع العالم العربي في نوعية ودرجة المكننة في هذه الصناعة ؟) للأسف لم تسمح لي الفرصة لأقوم بزيارة كل الأقطار العربية لكي اتمكن من إعطاء الفكرة الدقيقة في هذا الموضوع، إلا أن المعلومات التي لدي والتي حصلت عليها عن طريق اتصالاتي مع المجهزين الأوربيين والمعارض المهنية التي حضرتها ولقاءاتي بإخواننا العرب في هذه المهنة والزيارات التي عملتها في أوقات مختلفة من حياتي لبعض الأقطار العربية قد أعطتني بعض القدرة على التخمين. هذه المعلومات لا تكفي بالطبع ولا تمكنني من إعطاء وجهة نظر محددة حول موضوع المكننة الحيوي في الوقت الحاضر. حيث أن لكل قطر عربي اجتهاداته وطريقته في معالجة هذا الموضوع. وفي غالب الأحيان لا يخرج موضوع مكننة صناعة الأحذية عن أي صناعة أخرى. أي أن القرارات تؤخذ لتشمل كل أنواع الصناعة. في هذه الحدود وبهذا الصدد يمكن أن أدلي بالاستنتاج العام التالي : إن أبرز المحاولات في مكننة صناعة الأحذية كانت تتجه نحو إنشاء معامل كبيرة من قبل جهات حكومية أو شركات استثمارية محاولات فردية من أهل المهنة أو خارجها. وكانت النتائج غير مشجعة في اغلب هذه المحاولات التي تمت لم تكن ناتجة عن قرار ذوي العلاقة المباشرة بالمشروع، من حيث تفهم أداء الماكنات أو الالات وآفاق استعمالاتها، أو من حيث وجود خطة مرسومة لنوع الانتاج من الأحذية. أو تطور ونمو المشاريع بشكل متدرج. لذلك لم تتم الاستفادة كليا أو جزئيا من معظم استيرادات الأقطار العربية من الآلات لهذه المهنة. كانت النتيجة طبعاً ضياع جهود وثروات كبيرة بالاضافة إلى زعزة الثقة بالإنسان العربي وقدرته على التطور والمعرفة. لابد أن هناك عشرات المكائن والعدد قد أتلفت، أو تركت عاطلة عن العمل في زوايا المعامل والمخازن يعلوها الغبار والصدأ، ولا بسبب استهلاكها، بل بسبب عدم توفر القدرة على تشغيلها وليس لصعوبة توفر العامل الماهر لها أو صعوبة تدريبه، إنما بسبب صعوبة برمجتها لتتماشى مع إمكانيات المعامل الأخرى والتطورات السريعة التي تتميز بها هذه المهنة. إن موضوع مكننة صناعة الأحذية من أعقد المواضيع فإن أي مناج يمكن أن يبدأ بمكانة واحدة أو أكثر ويمكنه أن يستفيد منها فائدة كبرى. أو يمكن أن يجعل من معمله مزرعة مكائن ولكن لا يتمكن من الحصول على أية فائدة منها. لقد شاهدت شخصياً في كثير من المعامل عشرات المكائن موضوعة جانباً بينما يقوم العمال بتأدية الأعمال يدوياً! لكل ما تقدم أودا أن يكون موضع المكننة في صناعة الأحذية محط احتمام جميع العاملين في هذه المهنة وجميع الجهات الرسمي التي ترعى وتهتم بنمو هذه المهنة. واود أن أضع الأسئلة التالية وآمل أن نتدارسها جميعاً، وأن تخصص المجلة صفحات لكافة الدراسات والتحاليل والأفكار التي ترد من لدن القراء العاملين والمهتمين في هذه المهنة للوصول إلى أفضل الحلول لهذه المشكلة، وهي مشكلة مكننة صناعة الأحذية. الأسئلة الموجهة لكل قطر من الأقطار العربية: 1. هل يسمح باستيراد الماكنات والعدد بدون قيود أم الاستيراد خاضع لرخص استيراد؟ 2. هل يسمح باستيراد الماكنات والعدد المستعملة؟ 3. هل يسمح ببيع وشراء المكائن والعدد في داخل القطر بدون قيود أم ذلك مقيد بموافقات؟ 4. هل توجد ورش عمل متخصصة في صيانة وتصليح المكائن ويمكنها شراء المكائن المستعملة وإعادة تصليحها وبيعها؟ 5. هل توجد ورش عمل لصنع العدد كالسكاكين والقوالب المعدنية وغيرها من العدد التي تتطلبها المكننة والعمليات الإنتاجية؟ كم أتمنى أن تكون الأجوبة على كل الأسئلة الخمسة أعلاه إيجابية أو على الأقل الثلاثة الأخيرة منها، 5،4،3 لأنها تخص الطاقات المعطلة المتوفرة في كل قطر والتي يمكن الاستفادة منها في معامل أخرى ذات طبيعية انتاجية مختلفة. هناك معامل يمكن أن نستفيد من المكائن المعطلة في أركان معامل أخرى، ليس لعدم قدرتها على تشغيل كل ماكناتها، إنما بسبب إنصرافها لإنتاج معين لا تدخل بعض الماكنات والآلات الإنتاجية في عملياته. باختصار أنا مع حرية حركة المكائن وتجارتها وورش تصليحها في داخل كل قطر ينشد تطوير المكننة في هذه المهنة، ولو أدى ذلك إلى شيء من الاستغلال. فذلك أفضل بكثير من ضياع هذه الثروات وخمود قدرات الإبداع لدى العاملين في هذه المهنة. يمكن للمشاريع الناجحة في المكننة أن تطور نفسها وتتماشى مع التطور العالمي، وذلك عن طريق بيع مكائنها القديمة أو غير المستغلة لمن يستفيد منها. بينما تستورد هي غيرها من المكائن التي تساير نوعية وتقدم الإنتاج والطموحات التي يتمناها مثل هذا المشروع. إن المكائن التي لا تقوم بالأداء المطلوب حجر عثرة في طريق التطور، وفي نفس الوقت سوف تكون هذه المكائن عاملاً مساعدا في تقدم مشروع آخر في حقل آخر من حقول إنتاج الأحذية. وإن على مالكي مثل هذه المكائن الفائضة أو غير الملائمة للاستعمال أن يكونوا كريمين مع هذه المهنة حيث أن أي تقدم في أي معمل هو عامل محفز للمعامل الأخرى وبذلك تنمو وتزدهر المهنة ويمكنها فتح أبواب الرزق للآلاف وفتح أبواب الأسواق الخارجية، بالإضافة إلى سد حاجة المستهلك في الداخل، وهي حاجة غير محدودة، لا من حيث النوع ولا من حيث الكم. المكائن والآلات لمن ومتى وكيف وبأي مواصفات يقتنيها المنتج؟ درجت العادة في العالم الثالث بشكل عام وعالمنا العربي بشكل خاص أن تصنف المشاريع الأنتاجية إلى مشاريع كبيرة وصغيرة، آلية ويدوية، متطورة أو تقليدية، وغيرها من التقسيمات. وعلى ضوء هذه التقسيمات والتخصيصات في نوعيات الإنتاج وغيرها من الأطر التي تفرض على المشاريع والأعمال الإنتاجية تمنح المشاريع رخص الاستيرادات للمكائن والمواد الأولية وغيرها من مستزمات الانتاج. يحدد ذلك صاحب المشروع والجهات الرسمية المسؤولة عند تأسيس أي مشروع ويصعب على المشروع بعد ذلك أن يخرج من هذه الأطر الإنتاجية التي فرضها أو فرضت عليه وبذلك تصبح هذه المكائن والآلات إما عالة عليه أو حكراً لديه لايمكن أن يحصل عليها غيره. إن عصرنا الحاضر يزخر بأنواع المكائن والآلات وقد انتشر استعمالها بين البشر حتى اصبحت حياة الإنسان كلها آليه. شملت المكننة والاستعانة بالآلة جميع عمليات الطبخ والمطبخ ووسائل الغسيل والتنظيف والحلاقة والتزين وحتى فرشاة الأسنان. أصبحت الآلة حاجة استهلاكية أكثر مما هي إنتاجية. نرى هذه الآلات وغيرها من آلات اللهو ولعب الأطفال تغزوا أسواقنا اسوة باسواق العالم. وفي نفس الوقت نرى كثيراً من المنتجين وخاصة الحرفيين ومن لديهم الرغبة والقدرة على التوجه إلى الإنتاج يواجهون عشرات العراقيل والصعوبات في الحصول على المكائن أو الآلات الإنتاجية. وتعامل العدد والآلات والمكائن الصغيرة والكبيرة بنفس المعاملة، ويلاقي المنتج الصغير أكبر الصعوبات للحصول عليها. وكما قلت في بداية مقالي يمكن لصانع الأحذية أن يصنع الحذاء بأبسط العدد وأن يتدرج بالعدد إلى أضخم وأعقد المكائن التي تدار بالالكترون والإنسان الآلي. ولا يجب التفريق بين المنتجين والمشاريع الإنتاجية، مثل: هذه ورشة وهذا معمل وهذا صناعي وذاك حرفي وغيرها من أنواع التفريق. إنهم جميعا منتجين قابلين للتطور. وتتوفر للجميع العدد والآلات والمكائن، كلا حسب حجمه وحسب نوع إنتاجه. إن مكننة الحرفيين أو المشاريع الصغيرة أو التقليدية كبيرة الأهمية في تطوير أي بلد. وهي كالنباتات تترعرع إن وجدت لها الأرضية والعناية اللازمة وتصبح شجرة مثمرة. وتتوفر اليوم في الأسواق العالمية مختلف العدد والمكائن، تلائم جميع متطلبات المنتجين صغارهم وكبارهم، ولمختلف العمليات الإنتاجية المتطورة مع تطور المواد وطرق الإنتاج الحديثة وبأثمان تتلائم مع كل إمكانية من إمكانيات المنتجين. ولو أخذنا سوق المكائن المستعملة لرأينا زاخرة بأنواع المكائن والآلات ومعظمها في حالة جيدة وبأسعار زهيدة جدا. وقد أخذت تنمو مشاريع صيانة المكائن وأصبحت حتى المشاريع الكبيرة المنتجة للمكائن تعمل في صناعة صيانة المكائن المستعملة والتجارة فيها، وهو ما يسمى ب ( الأوفرهل)، حيث تدخل الماكنة القديمة البالية إلى المعمل وتخرج وكأنها جديدة. إن دور المكائن والآلة في صناعة الأحذية ليس بديلاً لدور الإنسان ومهارته بل متمم لقدراته الإبداعية والانتاجية وإن مكننة كل عملية يفتح أبواب العمل أو المشروع إلى أيدي عاملة أكثر. لكل ما تقدم أتمنى على الجهات المسؤولة أن تنمى تجارة وصناعة مشاريع صيانة العدد والمكائن لكي تكون هذه الآلات في متناول المنتجين صغارهم وكبارهم ولتقدم افضل الخدمات التنافسية إلى المنتجين لكي يتوجهوا نحو تطوير منتجاتهم نوعا وكما. وإن ماجاء أعلاه دعوة لكل العاملين والمهتمين في هذه المهنة أن يبدأوا الحوار حول موضوع المكننة على أن لا ينتهي الحوار بصيغ جامدة إنما يكون عامل بحث ومناقشة طالما أردنا لهذه المهنة أن تتقدم وتزدهر في وطننا العربي. ع.ص. شاكري
|
|