Back
to list page
العدد 37 |
الجلود المحظورة
English,
Magazine: Al-Hidaa
1990
|
مع زيادة الاهتمام بالبيئة و مشاكلها نالت الحيوانات قسطها . فالحيوانات ذات الفراء كالنمور والثعالب والدببة وحيوان الرنة والفقمة والزواحف مثل التماسيح و) اللازار (الارول و الثعابين وغيرها، وكذلك الفيلة بأنيابها العاجية البديعة، جميعها باتت مهددة بالانقراض بدرجات متفاوتة . من هنا كثرت البرامج الإعلامية التي تحذر من تجاهل هذه المخاطر وكان منها برنامجا عرضه التلفزيون البريطاني لخص مختلف جوانب الموضوع على حلقات . وتطرق البرنامج إلى نشاطات الجمعية العالمية لحماية البيئة والحيوان، ) الكائنة في نيويورك( وغيرها والى القرارات التي اتخذتها بخصوص منع صيد وتداول جلود هدن الحيوانات، وكيفية منح الشهادات وابراز المستندات الضرورية عند التفتيش لاثبات أن المعروض للبيع هو من الجلود المصرح بها وليست المحظورة. أي الخارجة عن قوانين حماية الحيوانات غير الأليفة، وأيضا أعطى الفيلم حيزا من الاهتمام لمعاناة رجال الجمارك والبوليس الأمريكيين بفحص منتجات الموضة الجلدية، حتى المستوردة منها غير المصنوعة من الجلود الممنوعة. وكان الفحص يشمل حتى الأجزاء الصغيرة التي تزين المنتج. وصور البرنامج الأشخاص والجماعات التي تعمل في الخفاء، بدءا بمطاردة هذه الحيوانات إلى طريقة سلخها وخزنها وطرق تصديرها وانتهاء بمطاردة رجال الأمن وغيرها من الأساليب غير المشروعة للتهرب مظهرا طرق الملاحقة. وكان الفيلم يهدف، بالإضافة إلى كشف جانب حماية الحيوانات غير الأليفة، إلى تأكيد أهمية المسؤوليات الجديدة الملقاة على عاتق رجال الأمن والجمارك. وركز على كولومبيا في أمريكا الجنوبية التي تعاني الآن من الصراع الدامي بين الدولة وبين مافيات المخدرات. أعطى البرنامج الأهمية الثانية لحجم المردود المالي للجلود الممنوعة من حيث النوع والكم والقيمة المقدرة، خاصة قيمة جلود التماسيح والزواحف الأخرى والتي تثمن بمئات الملايين من الدولارات. لقد تطرقت في مقالاتي السابقة في ركن آفاق المهنة، والذي توقفت عن الكتابة فيه منذ ما يزيد عن السنة إلى مواضيع مثل جلود الأضاحي في يوم عرفات. لقد تطرقت في مقالاتي السابقة في ركن آفاق المهنة، والذي توقفت عن الكتابة فيه منذ ما يزيد عن السنة. إلى مواضيع مثل جلود الأضاحي في يوم عرفات وخلال زياراتي لمعارض الجلود الدولية أمر بأنواع كثيرة من الجلود الرائعة. وقد سالت في أحد المعارض يوما عن سعر القدم المربع منها وهو الوحدة القياسية المتعارف عليها عالميا في تجارة الجلود، وإذ المفاجأة أن أسعارها تحسب بالسنتمتر المربع. وهي باهظة الثمن لدرجة أنني لم اصدق ما سمعه. وكلما أرى جلد ثعبان مدبوغ تعود بي الذاكرة إلى سنة 1948 عندما اغلق بعض تجار الجلود في بغداد تجارتهم وعرضوا ما في مخازنهم من جلود بأسعار مخفضة. وكان أخي الأكبر جواد الشاكري الذي كنت اعمل بمعييته قد اشترى الكثير منها. كانت إحداها اغرب صفقة وقد فاقت الثلاثة آلاف جلد من اكبر جلود الثعابين الني شاهدتها طيلة حياتي. وكان طول كل منها يتجاوز الخمسة أمتار وعرضه سنون سنتمترا، وكان حجم كل قشرة عند البطن يماثل حجم الفلس. ودبغت تلك الجلود بطريقة طبيعية جعلتها تحتفظ برؤوسها وأنيابها محافظة على ألوانها الطبيعية الزاهية ما بين الأبيض والأسود والشمعي والبني. وتفتحت قريحتي، وأنا لازلت في سن الصبا فملأت جلد أفعى بالقش لكي أعيده إلى شكله الأول. وعرضت اكثر من جلد محشي في المعرض الكبير العائد لواجهة محلنا في بغداد مع عدة أزواج من الأحذية النسائية المصنوعة منها لغرض الترويج لها ولتصريف الكمية التي آلت إلينا. تجمهر الناس أمام واجهة المحل بين مصدق ومكذب لما يشاهدونه من حجم وشكل مرعب لهذه الأفاعي. ومرت خمس سنوات حتى تمكنا من إتمام صنع وبيع منتجات جلود الثعابين وبأبخس الأسعار. وكم أتمنى لو أنني احتفظت ببعضها أو حتى بواحدة فريدة منها، لربما تمكنت من أن أبيعها اليوم في مزاد لندن بملايين الجنيهات الإسترلينية كما تباع التحف القديمة النادرة. فأسعار هذه المنتجات غالية وقد يصل سعر زوج الأحذية منها إلى ألف دولار. فأي تجارة هذه وأي ربح ورزق يتوزع على عشرات أو مئات، بل آلاف الأشخاص وعشرات البلدان فالجلود لا تعرف الحدود. فعلى سبيل المثال 90% من جلود التماسيح تأتي من أمريكا اللاتينية، وفي طليعتها كولومبيا. إلا أن المردود البخس الذي يحصل عليه الصياد أو الفلاح الذي يزاول الصيد غير المشروع يساوي 100 بيزيتا (أي نصف دولار) للجلد المتوسط، والجلود الكبيرة ب200 و300 بيزيتا. وتبلغ قيمة جلد التمساح الكبير ال400 بيزيتا (أي دولار فقط) ويباع منتوج هذا الجلد بما لا يقل عن الألف دولار أي بفارق ربح قدره 500 ضعف. يأتي قارب صغير ليجمع الجلود المحظور تداولها من الصيادين على طول نهر ماردفينا، وهو أحد الأنهر الكبيرة الغنية بالتماسيح. وقد تكونت مافيا لتجميع وتصدير هذه الجلود وباتت مدينة أبز يرينا( المدينة التي صور فيها الفيلم) من اكبر المراكز بتجارة الجلود المحظورة. ورغم كون المدينة ممرا لمئات آلاف الجلود فان تجارتها لا تمثل سوى نسبة ضئيلة من إجمالي الجلود المهربة في العالم. أما الحيرة التي تواجه المسؤولين هي في ما يفعلونه بالجلود المصادرة، فالسلطات في كينيا مثلا أحرقت مؤخرا الآلاف من أنياب الفيلة، بينما الشعب في أشد الحاجة إلى ثمنها لسد احتياجاته الضرورية. كيف يمكن للدول المتقدمة والنامية أن تسن القوانين التي لا تحد من حرية الفرد في العمل والإنتاج والمساهمة في الرفاه الإنساني وتوفق بينها وبين المحافظة على البيئة والحيوانات من الانقراض من أجل الحصول على جلودها وعلى بيض الطيور والزواحف النادرة وتحنيط هياكلها، وغيرها م الهوايات التي تؤدي إلى انقراض هذه المخلوقات الجميلة المسلوبة الإرادة أمام أطماع الإنسان وجبروته ؟ علينا أن نكون شركاء أمينين معها في كوكبنا.
|
|