Back
to list page
العدد 17 |
شركة لوار أشلي تدخل بورصة لندن النمو الطبيعي للمشاريع
English,
Magazine: Al-Hidaa
1986
|
قبل عدة أشهر تصدر وسائل الإعلام البريطانية، من صحف وإذاعات مسموعة ومرئية، خبر دخول شركة لورا أشلي سلم بورصة لندن. لعله خبر بسيط واعتيادي. في الواقع كل يوم تدخل شركة جديدة هذه البورصة بعد نجاحها وتخرج منها أخرى بعد إفلاسها. لكن دخول شركة لورا اشلي لم يكن خبرا عاديا. فقد أفردت له وسائل الإعلام البريطانية صفحات كثيرة وتبارى المعلقون الاقتصاديون بالاطراء على هذه الشركة وبالحديث عن نجاحاتها. لماذا هذا التطبيل والتزمير؟ الحقيقة أن اهتمام الصحافة بشركة لوارا اشلي يعود إلى طبيعة نشأة هذه الشركة التي أصبحت معلما من معالم الاقتصاد البريطاني ونموذجا من نماذج النجاح الكبير. ومن يعرف قصة هذه الشركة يعرف أحقية الصحافة بالاهتمام بها لخطة دخولها عالم البورصة. وفي سنة 1953 كانت السيدة لوارا اشلي موظفة صغيرة ولكنها ذات طموح كبير. كانت عدتها الطموح والنشاط والإرادة وعشرة جنيهات إسترلينية اشترت بها لوازم العمل الذي بدأته على طاولة مطبخها في شقتها المتواضعة. راحت السيدة اشلي بأدواتها البسيطة وأناملها الخلاقة تطبع النقوش والرسوم والتزيينات على الأقمشة المخصصة للاستعمال المنزلي البسيط مثل المناشف المطبخية وغيرها. تعمل في أوقات فراغها وتحمل إنتاجها الجميل إلى المحلات المتخصصة لبيع هذه الحاجيات. بسبب إتقانها وجهودها لاقى إنتاجها قبولا جيدا من قبل هذه المحلات والمتاجر. بعد أربعة اشهر كثر الطلب على منتوجات السيدة اشلي فاضطرت أن تترك عملها في مدينة البنوك في قلب لندن لتتفرغ لحرفتها الجديدة. بدأت هوايتها بعشرة جنيهات إلا أنها هذه المرة طورت طاولة المطبخ وغامرت بصرف مأتي جنيه جديدة لشراء لوازم أخرى يتطلبها الانتقال من الهواية إلى الاحتراف. وهنا دخل زوجها السيد برنارد اشلي على الخط ليساعد زوجته بالنهوض بمشروعها الصغير فأخذ على عاتقه عمليات التصنيع والبيع واتجهت السيدة الطموحة على التصميم والأمور الفنية الأخرى. وسرعان مانما العمل وعرف ازدهارا كبيرا بفضل التعاون العائلي الذي احتضن أفكار السيدة اشلي وحولها إلى عمل متواصل دون كلل. واليوم شركة اشلي التي دخلت بورصة لندن مؤخرا تفخر بمعارض البيع، التي أسستها والتي بلغ عددها 180 معرضا، ويتوقع لها أن تصل إلى 225 معرضا في نهاية عام 1986 أما عدد العاملين في الشركة فيتجاوز الأربعة آلاف عامل إضافة إلى أعداد كبيرة من المتعاملين مع الشركة بصورة أو بأخرى. وقد بلغ مجمل مبيعاتها في سنة 1984 ما قيمته مائة مليون جنيه إسترليني. وقد بلغ مجمل مبيعاتها في سنة 1984 ما قيمته مائة مليون جنيه إسترليني. بالطبع تحولت المؤسسة إلى شركة مساهمة وقبلت في بورصة لندن ويمكن اليوم تداول أسهمها حسب العرض والطلب وربما بثقة كبيرة. وهذا بالطبع يعتبر أوج نجاح أي مشروع اقتصادي واسعد مناسبة في تاريخ الشركة. وللأسف الشديد توفيت مؤسسة الشركة السيدة لورا اشلي قبل بضعة أشهر من تتويج جهودها التي خلدت كفاحها الطويل.
وقد كان للحملة الإعلامية التكريمية التي لاقتها الشركة ابلغ الأثر على أعمالها ونشاطاتها وعلاقاتها بصورة هيئت لها انطلاقة جديدة في عالم الإنتاج والتسويق والتوسع في المعارض والفروع الجديدة. وقصة هذه الشركة مليئة بالدروس العملية التي يجب علينا نحن العرب استخلاصها لندرك كيف تبدأ مشاريعنا، وكيف تنمو، ثم كيف تنتهي. ولعل الدرس الأول هو الالتفات إلى قاعدة تحكم مع الأسف معظم مشاريعنا. وهي أن المشروع غالبا ما يموت بموت صاحبه أو كبر سنه وعجزه عن متابعة النشاط المطلوب لمتابعة النجاح. أما الدرس الثاني فيتعلق بطبيعة نطرتنا الى الحرفيين وصغار المنتجين الذين نعتقد خاطئين انهم سيظلون على حالهم طوال حياتهم مهما بذلوا من جهود. في الحرفيين انفسهم ربما يعتقدون بهذه النظرة الامر الذي يثبط هممهم ويجعل طموحاتهم محدودة. في الواقع خلال حياتي العملية التي أشكر الله وأحمده على ما حققته فيها، وخلال ثلاث سنوات في حياة مجلة الحذاء، أتيحت لي فرصة اللقاء بزملائي من الصناعيين وبعدد كبير من المسؤولين الرسميين عن شؤون صناعتنا- أعني صناعة الجلد- في عدة دولة عربية. وقد لمست مع كل أسف أن عدد غير قليل من هؤلاء ينظر إلى الحرفيين أو صغار المنتجين نظرة لا تحمل الكثير من التفاؤل بالمستقبل. كما يتهمهم البعض بأنهم جزء من القطاع التقليدي المتخلف أو العالة على الصناعة ومواردها عامة. كذلك هناك في بعض دوائرنا الحكومية تمييز بالتعامل معهم بصورة تعزلهم عن إخوانهم المنتجين الأكبر شأنا والأكثر حظوة. لكنني أرى في ذلك خطأ كبير له مردوده السيئ على صناعتنا بصورة عامة. وارى في كل من هؤلاء المنتجين الصغار والحرفيين نبته مباركة إذا ما توفرت لها الأرض الصالحة والرعاية اللازمة سوف تشرع وتكبر لتصبح شجرة وارفة الظلال، بل غابة من الأشجار المثمرة والمفيدة لمستقبل صناعتنا واقتصادنا بصورة عامة. ولنا في لوار اشلي وشركتنا خير مثال على الإيمان بالجهد وبالمستقبل. يبقى هناك مسألة أخرى يمكن استخلاصها من قصة لورا اشلي عندما نقارن بينها وبين تاريخ بعض مشاريعنا التي نجحت نجاحا كبيرا خلال فترة طويلة ثم الفتور أو ربما الإفلاس النهائي. يبدأ المشروع في بلادنا بمبادرة وجهود فرد أو عدة أفراد من العائلة أو من غيرها. ينجح المشروع ويزدهر. ويصبح علما اقتصاديا هاما. وتعم الخيرات المؤسسة والمشاركين فيها. وتفخر البلاد بصرح من صروح اقتصادها. ولكن سرعان ما تبدأ سوسة الخلافات بنخر قواعد المشروع. تكون الخلافات في بادئ حول وجهات النظر ي تسيير أمور الشركة على اختلاف أنواعها. وتتطور هذه الخلافات، التي قد تكون مشروعة إذا ما التزمت حدود خدمة المؤسسة، إلى مشكلات عميقة وقودها الاتهامات المتبادلة والادعاءات على أنواعها. كل يتهم الآخر بالتقصير وكل يدعي لنفسه فضل النجاح. ومن هنا يبدأ الفشل ثم الاضمحلال. ذلك لأن هذه الخلافات غالبا ما تؤدي فقدان السيطرة على مسار الأمور في المشروع، أو إلى سيطرة واحد من الأطراف المتنازعة والتي كانت في رحلة الازدهار متفقة ومتآلفة. وهذه السيطرة تقود المشروع في وجهة جديدة قد لا تكون في معظم الأحيان نتيجة مفيدة لأي من الأطراف. في الحقيقة أنها أمراض تعاني منها بعض مشاريعنا الاقتصادية وربما معظمها ولو عانى منها مشروع لوار اشلي لما وصل إلى أوج النجاح ولما عرف به أحد منا ولا عرفته بورصة لندن. ولعل التخلص من هذه الأمراض بحسن التدبير وسلامة الطوبة، قد يؤدي بمشاريعنا العربية مهما كانت بدايتها بسيطة- وهل هناك بداية أقل من عشرة جنيهات إسترلينية- إلى الازدهار والنمو خدمة لشعوبنا وأمتنا والله ولي التوفيق.
|
|