Back
to list page
العدد 15 |
الاستيراد لأجل التصنيع والتصنيع لأجل التصدير (2)
English,
Magazine: Al-Hidaa
1986
|
كنا في العدد السابق قد عالجنا مسألة التأثير المتبادل بين ثلاثة أنشطة اقتصادية، هي الاستيراد ثم التصنيع والتصدير. وتطرقنا بصورة مسهبة إلى الدور الرئيسي، الذي تلعبه الحكومات عادة، لحماية القطاع الصناعي من مختلف أنواع الحواجز والقيود المحلية منها والخارجية. ويهمنا هنا أن نحاول طرح بعض الحلول، على ضوء التجارب العربية والدولية، التي كنا قد أشرنا إلى بعضها بصورة عرضية. ولعل أهم هذه التجارب، أو على الأقل أكثرها شهرة، هي تجربة السوق الأوربية المشتركة، التي تنظم أمور التجارة والصناعة بين الأقطار الأوربية الأعضاء في هذه المنظمة. ولفهم طبيعة دور هذه المنظمة وأهدافها والنتائج التي توصلت إليها، لابد من العودة، ولو السريعة، إلى بدء نشوئها، والأسباب التي دعت الدول الأوربية إلى الإنضواء تحت لوائها. يعود تاريخ نشوء هذه المنظمة الاقتصادية إلى أوائل الخمسينات، حيث كانت صناعة التعدين والصلب في الأقطار الأوربية مزدهرة بصورة جعلت التنافس بين هذه الدول يأخذ منحى خطيراً، ويضيف إلى متاعب أرباب الصناعة مشاكل جديدة فوق تلك التي كانت تعانيها الصناعة الأوربية من جراء المنافسة الشديدة مع كل من الولايات المتحدة ودول الكتلة الشرقية. هذا في وقت لم تكن فيه اليابان قد اقتحمت السوق العالمية على الصورة التي عرفها العالم في السنوات الأخيرة. هكذا هددت هذه المنافسة داخل الأقطار الأوربية نفسها من جهة ومع الأطراف الدولية من جهة أخرى، مجمل مشاريع ومصانع التعدين في معظم أقطار أوربا. وقد أدت هذه المنافسة في تاريخ أوربا الوسيط والحديث إلى حروب ضارية. لذلك ولتفادي مثل هذه الحروب، قرر ممثلو كبريات الشركات الأوربية الانضواء داخل مؤسسة تنظم أعمالهم وتبحث عن الحلول لمشكلاتهم الجمركية ويغرها، هكذا ولد التجمع الصناعي الأوربي، الذي عرف في حينها بإسم (( الاتحاد الأوربي للصلب )) وضم ست دول فقط. وقد يتساءل البعض عن دور الحكومات في حمل شركات التعدين والصلب على تأسيس مثل هذا الاتحاد. في الوقع تصعب الإجابة سلبا أو إيجاباً. لكن المهم أن هذا الاتحاد قد حقق نتائج كبيرة، وأحدث قفزة نوعية هامة في فترة قياسية قصيرة. إذ ازداد الإنتاج بصورة مطردة وبعيداً عن الهزات الدولية التي عرفها تاريخ الصناعة الأوربية. وقد كان نجاح هذا الاتحاد في تنظيم العلاقة بين مختلف صناعيي أوربا الأعضاء، حافزاً للحكومات المعنية، على إنشاء السوق الأوربية المشتركة التي تنظم العلاقات التجارية والصناعية، في مختلف أنواع السلع، بين الدول الأعضاء التي بلغ عددها اليوم اثنتي عشرة دولة. ولعل من أبرز قوانين هذه السوق، هو ذلك الذي ينظم حركة السلع والعمال والصناعيين عبر الحدود دون قيود أو حواجز. ومجالات سوق غرب هذه القارة الغنية، مفتوحة أمام كافة المواطنين الأوروبيين من ذوي الكفاءة والنشاط. من هنا تبدو تجربة السوق الأوربية المشتركة مثالاً يستحسن أن تحذو الدول العربية والإسلامية حذوه. ويعتبر نموذجاً لما يمكن للحكومات أن تقوم به من دور بناء في العمل على أزلة الحواجز والقيود من أمام أكثر من قطاع صناعي أو تجاري. اقتراحات وحلول في الواقع لن نتجاوز في مقترحاتنا حدود اهتمام مجلتنا في صناعة الجلود والأحذية، ومختلف المنتجات الجلدية، ثم جميع المواد الأولية التي تدخل في صلب هذه الصناعة التي نعمل على تطويرها وازدهارها. لعل من أهم المشكلات، التي تعانيها شتى أنواع الصناعة الجلدية في بلداننا العربية والإسلامية، هي تلك المتعلقة بسياسة الاستيراد والتصدير المتبعة في هذه البلدان. ولتجاوز هذه المشكلة نقترح ما يلي: أولاً على مستوى الاستيراد. أ. فتح أبواب الاستيراد على مصراعيها دونما تحديد للحجم أو النوع. لكافة المواد الأولية التي تحتاجها الصناعة المحلية. هذا إضافة إلى المواد نصف المصنفة، ثم المكائن وشتى أنواع الآلات وخلافها اللازمة للإنتاج. استيراد مفتوح وحر بغض النظر عن أنه يتم من خلال أرباب الصناعة أنفسهم، أو من قبل التجار والمستوردين، أو المؤسسات الحكومية. ب. فرض رسوم خاصة يتقاضاها ما يمكن تسميته ب »صندوق التصدير« . وتشمل هذه الرسوم كافة استيرادات هذا القطاع . والاختلاف بين هذه الرسوم وبين التعرفة الجمركية المعروفة، هو أن هذه الرسوم لا تدخل خزينة الدولة، بل تذهب إلى صندوق مختص بدعم هذه الصناعة وتصديرها. ونود استكمالا لاقتراحنا هذا أ، نحاول تحديد نسب هذه الرسوم على الصورة التالية: - من 5% إلى 15 % على المواد الأولية التي لا تنتج محلياً كالمواد الكيميائية والبتروكيميائية غير المصنعة، إضافة إلى الخامات الأخرى. - من 10 % إلى 25 % على المواد التي بوشر بتصنيعها محلياً منذ عهد قريب، أو أن النية متجهة لتصنيعها في البلاد. إضافة إلى تلك التي تصنع محلياً ولكنها دون المستوى المطلوب كما ونوعاً. على سبيل المثال الجلود، والغزول، والجلود الصناعية، وفايبر نفايات الجلود، والكارتون...كذلك المواد التي يستلزمها الإنتاج مثل الصموغ والأصباغ، ثم المواد الكيميائية المساعدة. - من 20 % إلى 25 % على المواد نصف المصنعة كالنعول، والكعوب، والاشرطة، والسفائف، والدبان الداخلي، والخيط وغير ذلك من مستلزمات هذه الصناعة. - من 5 % إلى 25 % للمكائن والعدد والقوالب وغيرها من المستلزمات التقنية. وهنا لابد من الإشارة أننا في تحديدنا لهذه الرسوم قد اعتمدنا على أهمية كل سلعة بالنسبة للإنتاج ومايستلزمه هذا القطاع منها ليصل إلى ما يتوخاه من مستوى في النوعية والكمية. ج. إخضاع الاستيراد لجهاز إداري يرصد كل عملية استيراد، ويدونها في سجلات خاصة مع جميع التفاصيل المتعلقة بها، كمواصفات المادة، مثل السعر، والمنشأ، والجهة المستوردة، وغيرها من المعلومات الإحصائية المفيدة لإجراء الدراسات واتخاذ القرارات المستقبلية، من نوع إصدار المراسيم السنوية، التي تحدد على ضوئها الرسوم الجديدة ومتعلقاتها. د. تمكين الصناعي أو الحرفي من الحصول على ما يحتاجه من المواد والعدد بالاتصال المباشر بالمجهزين الأجانب. أو يترك أمر الاستيراد كلياً للتجار. وفي هذه الحالة قد يؤدي إلى هبوط أسعارها نسبياً. هذا فضلاً عن أن صغار الصناعيين والحرفيين يفتقدون بصورة عامة إلى الخبرة اللازمة لتأمين كافة احتياجاتهم للاتصال بالخارج الذي تحتاجه عملية الاستيراد. في الواقع إن توفر المواد الأولية وشبه المصنعة في السوق، لابد أن يشجع أرباب الصناعة على اغتنام فرصة توفرها ثم استغلالها على أفضل وجه. هذا فضلاً عن توفر المواد بكثرة، وبنوعيات مختلفة، يشكل رصيداً احتياطياً للمشاريع الصناعية في الوطن. وهو بحد ذاته يعتبر درجة من درجات الاستثمار المالي، في حقل الصناعة، من قبل التجار والبنوك التي تدعمهم.
|
|